الأستاذ بيراني في الاجتماع الافتراضي لنساء الجماعة: الإيمان الواعي والأعمال الصالحة أساس الحياة الطيبة والمسؤولية الاجتماعية

استشهد الأمين العام لجماعة الدعوة والإصلاح، في الاجتماع الافتراضي لنساء الجماعة، الذي عُقد بدعوة من مكتب شؤون المرأة يوم الخميس 20 نوفمبر 2026، بالآية 97 من سورة النحل، موضحًا العلاقة الجوهرية بين الإيمان والأعمال الصالحة وتحقيق الحياة الطيبة.

طهران – موقع إصلاح للمعلومات 

وفيما يلي نص كلمة الأستاذ عبد الرحمن بيراني، الأمين العام لجماعة الدعوة والإصلاح:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أخواتي العزيزات، يا أبناء جماعة الدعوة والإصلاح الأعزاء والمحترمين!

السلام علیکم ورحمة الله وبركاته.

مع خالص التحيات وأطيب التمنيات، وبكل فخر وامتنان، الحمد لله الذي منحني هذه الفرصة العظيمة للحضور في هذا اللقاء الديني والروحي الكريم. أسأل الله العليم الحكيم أن يمنّ عليكم وعلى عائلاتكم الكريمة وعلى جميع أبناء وطننا الأعزاء بالسلام والراحة والصحة والفخر واليسر في شؤونکم، وأن يفرج عنکم هموم الحياة ومصاعبها.

اسمحوا لي أن أستهل كلمتي بآية من سورة النحل، الآية 97، وهي من أشمل آيات القرآن الكريم في شرح العلاقة بين الإيمان والأعمال الصالحة وجودة الحياة. يقول الله تعالى:

"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل: ۹۷)

أخواتي في الإيمان وأبنائي الأعزاء!

لو أردنا تلخيص مغزى هذه الآية بإيجاز شديد، لقلنا: الإيمان الحقّیقي يُفضي إلى الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة تُفضي إلى حياة طيبة. تأملوا كيف يُرتب القرآن الكريم هذه المراحل الثلاث والمحاور الأساسية في حياة المؤمنين بشكل متوازي:

1. أولًا، يقول الله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا" أي أن العمل الصالح هو العمل الجدير بالثناء والجهد الصادق الذي يُظهر فهمًا صحيحًا ومسؤوليةً من جانب الشخص.

2. ثم يقول: "وَهُوَ مُؤْمِن"؛ أي أن هذا العمل الجدير بالثناء والمقبول مبني على الإيمان بالله.

3. ثم يبشرنا الله تعالى: "فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً"؛ أي أن من يؤمن ويعمل الصالحات سيُهيئ له حياةً كريمةً مليئةً بالرضا والطمأنينة والسلام والصبر والنتائج الطيبة.

إذن، في منطق القرآن الكريم وثقافته، الإيمان ليس مجرد اعتقاد في القلب، بل هو قوة روحية تدفع الإنسان إلى الصراط المستقيم. وفي الواقع، الإيمان الواعي يُعطي الحياة هدفًا ومعنى، والعمل الصالح يُجسّد هذا الهدف والمعنى في واقع الحياة، والتمتع بالحياة الطيبة هو ثمرة هذه العلاقة المباركة.

هذا هو التوقع الطبيعي للمسلم من حياته كمؤمن؛ لأنه عندما يترسخ الإيمان في قلب الإنسان، فإنه يمنح حياته معنى، ويجعل حركاته هادفة، ويُبعده عن الأنانية واتباع الشهوات، ويُحيي فيه روح الإحسان والمسؤولية وخدمة الآخرين. وهنا، أرى من الضروري التذكير بنقطة مهمة: من منظور الدين، لا تقتصر الأعمال الصالحة على العبادات الفردية. لا شك أن للعبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها مكانة رفيعة في الشريعة الإسلامية؛ ولكن في الوقت نفسه، فإن دائرة الأعمال الصالحة أوسع من ذلك بكثير. فكل ما يُفعل في إطار الشريعة، بنية صادقة وإخلاص، ولصالح الفرد والأسرة والمجتمع، يُعد عملاً صالحاً. إن تربية الطفل تربية سليمة، وإصلاح الخلافات بين شخصين، ومساعدة المحتاجين، والتعليم وتقديم التوجيه الحكيم، والحفاظ علی شرف الآخرين وأسرارهم، ونصح الشباب باتخاذ الخيار الصحيح في الحياة، وكلمة تنقذ قلب الإنسان من اليأس، أو تقديم خدمة للمجتمع بشكل عام، كلها أمثلة على الأعمال الصالحة.

لكن ما هي الحياة الطيبة التي يعدنا بها القرآن، وما أثرها في حياتنا؟

من الواضح أن الحياة الطيبة لا تعني بالضرورة امتلاك الثروة والرخاء والموارد المادية (مع أن وجودها لا يتعارض مع الحياة الطيبة). فقد يمتلك المرء موارد كثيرة ولكنه يفتقر إلى الطمأنينة؛ وقد يمتلك ثروة ولكنه يفتقر إلى القناعة؛ وقد يمتلك بيتًا واسعًا ووظيفة مناسبة وموارد وفيرة ولكنه محروم من أسرة هادئة وعلاقات وثيقة. في المقابل، قد يمتلك المرء موارد مادية محدودة ولكنه يتمتع بقلب مطمئن، وإيمان راسخ، وأسرة متماسكة، وعلاقات سليمة، وروح مفعمة بالأمل والرضا.

لذا، ينبغي اعتبار الحياة الطيبة حياة نبيلة، جديرة بالثناء، ومباركة، تُنال في ضوء الإيمان والأعمال الصالحة؛ حياة تربط الإنسان فيها علاقة وثيقة بالله، فيصبح وجوده مصدر خير وبركة لنفسه ولأسرته وللآخرين، وعندما تواجهه المشاكل والتحديات والمصاعب، يتحلى بالصبر ولا يفقد الأمل. لأن الحياة الطيبة تعني أن يعرف المرء ما الذي يعيش من أجله، ومن يعتمد عليه، وما هي مسؤولياته تجاه الآخرين.

ولعلّ من أهمّ مظاهر الحياة الطيبة ألا يعيش الإنسان لنفسه فقط؛ فعندما يترسّخ في قلب الإنسان إيمانٌ نابعٌ من فهمٍ صحيحٍ وإخلاص، يصبح ألم الآخرين ومعاناتهم مهمًّا لديه، وسعادتهم ذات قيمة له، ومشاكل الأسرة مشاكله، واحتياجات المجتمع تُنمّي فيه شعورًا بالمسؤولية. هنا يتحوّل الإيمان من مجرّد اعتقادٍ داخليّ إلى سلوكٍ اجتماعيّ ومسؤولية.

الرجال والنساء: كلاهما في ساحة الإيمان والعمل الصالح

أخواتي وأبنائي الأعزاء! من الرسائل المهمة الأخرى التي تُؤكّد عليها هذه الآية الكريمة، أنها تُشرك كلا الجنسين، الرجال والنساء، في ساحة الإيمان والعمل الصالح، وتقول: "من ذكرٍ أو أنثى". يُبيّن القرآن الكريم بوضوح أن الرجال والنساء على حدّ سواء هم مخاطبون بالإيمان والعمل الصالح والمسؤولية والوعد الإلهي. لذلك، فإنّ معيار قيمة الإنسان عند الله ليس جنسه، بل إيمانه وأعماله الصالحة وإخلاصه وأفكاره الطيبة وتقواه.

كان لهذا البيان أهمية خاصة في البيئة الثقافية التي سادت وقت نزول القرآن، إذ يدين القرآن في هذه السورة بالذات أحد مظاهر الجهل والموقف الخاطئ تجاه الفتيات والنساء:

"وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ" (النحل: ۵۸)

لا يقتصر القرآن الكريم على إدانة هذا الجهل فحسب، بل يضع المرأة، كالرجل، في مكانةٍ إنسانيةٍ كريمة، وفي الإيمان، والأعمال الصالحة، وفي المسؤولية الاجتماعية. لذا، فإن وجود المرأة في مجالات الدين والأسرة والتعليم والمعرفة والعمل والخدمة الاجتماعية ليس أمرًا ثانويًا أو هامشيًا، بل هو جزء من المسؤولية التي وضعها القرآن على عاتق الإنسان بوصفه خليفة الله؛ لأن مسؤولية الإنسان، وفقًا لمنطق القرآن، تبدأ من نفسه ثم تمتد إلى أسرته ومجتمعه. وفي ضوء ما سبق، أرى أنه من الضروري ذكر بعض النقاط:

النقطة الأولى: من الحياة الطيبة إلى المسؤولية الأسرية والاجتماعية

طالما أن الثقافة القرآنية ترى أن الإيمان والأعمال الصالحة هما سبيل الحياة الطيبة، فإن أول مجال لتطبيقها العملي وتجسيدها سيكون الحياة الشخصية والأسرية، ثم المجتمع؛ لأن المجتمع يتكون أيضاً من أسر، وإذا لم تُصلح الأسرة، فسيكون إصلاح المجتمع صعباً للغاية.

اليوم، تحتاج الأسر أكثر من أي وقت مضى إلى التفاهم، والحوار الصادق، والمحبة، والراحة، والطمأنينة، وحضور الوالدين المسؤولین. فالآباء والأمهات ليسوا فقط مُلبّين لاحتياجات أبنائهم المادية، بل هم أيضاً بناة شخصية الجيل القادم. يتعلم أبناؤنا من سلوكنا أكثر مما يتعلمون من أقوالنا:

• إذا رأوا الصدق في المنزل، تعلموا الصدق؛

• إذا رأوا الاحترام، تعلموا الاحترام؛

• إذا رأوا المسؤولية، أصبحوا مسؤولين؛

• وإذا لمسوا أثر الإيمان في سلوكنا، سيتحول الإيمان من مفهوم ذهني إلى واقع ملموس في حياتهم العملية.

لذا، يُعدّ بناء أسرة سليمة، رحيمة، ومتعلمة من أهمّ مجالات العمل الصالح؛ أسرة لا يتنافس فيها الرجال والنساء، ولا يفكرون في إقصاء بعضهم بعضًا، بل هم رفقاء وشركاء. أسرة يكون فيها الأطفال أصدقاء لوالديهم، ويتاح لهم فيها طرح الأسئلة. أسرة لا تُصاحب فيها الخلافات قلة احترام. يُقدّم فيها الدين بالمحبة والحكمة والقدوة الحسنة، لا بالعنف والإذلال والإكراه.

ثانيًا: من الأسرة إلى المجتمع؛ خدمة الناس

وفقًا لتعاليم الدين الإسلامي، فإنّ أثر الإيمان ودوره في الأسرة لا يتوقفان وينبغي على المؤمن أن يشعر بالمسؤولية تجاه المجتمع وإخوانه في الإنسانية، كما يسعى جاهدًا لتحسين نفسه وأسرته.

وفيما يتعلق بالواجب تجاه المجتمع، فمن جهة، يحتاج مجتمع اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أناس محسنين، رحيمين، فاعلين، ومسؤولين، ومن جهة أخرى، استنادًا إلى الثقافة الإسلامية، فإنّ المسؤوليات الاجتماعية هي تضامن، أو بالمعنى الشرعي، "واجب کفائي". فكل فرد أو جماعة أو حركة موجودة في هذا المجال مسؤول بقدر قدرته وإمكانياته.

المجتمع الذي لا يفكر فيه أحد إلا بنفسه يفقد تدريجيًا رأسماله الأخلاقي والاجتماعي. في المقابل، المجتمعات التي يشعر فيها المواطنون بآلام بعضهم بعضًا، ويبادرون إلى حل المشاكل، ويتعاونون في أعمال الآخرين قدر استطاعتهم، هي مجتمعات حية وديناميكية ومتنامية.

يذكر الحديث النبوي الشريف أن لله عبادًا كلفهم بقضاء حوائج الناس، وأحبب إليهم الخير فأحبوه. من هذا المنطلق، من أهم الأسئلة التي ينبغي على كل مؤمن أن يطرحها على نفسه: ما الأثر الإيجابي الذي تركه أو سيتركه التزامي بتعاليم الدين الإسلامي على حياة الآخرين؟

  • هل أصبحت عائلتي أكثر سلامًا ورخاءً بوجودي؟
  • هل يشعر جاري بالأمان والأمل بوجودي؟
  • هل وجد الشباب الذين أتعامل معهم مزيدًا من الأمل في الحياة؟
  • هل يراني الشخص المضطرب شخصًا كريمًا وجديرًا بالثقة؟

هكذا يتضح لنا معنى "العمل الصالح" ويتسع نطاقه. لذا، يُتوقع منا أن نُدرك احتياجات المجتمع أكثر من ذي قبل، وأن نُحسّن قدرتنا على تلبيتها. علينا أن نُسلّم بأن مسؤوليتنا تبدأ حيثما وُجدت حاجة، وحيثما نملك القدرة على الاستجابة لها. قد تكون قدرة شخص ما هي العلم، وقدرة شخص آخر هي الإدارة. وقدرة ثالث التعليم، وقدرة رابع التواصل الاجتماعي، وقدرة خامس المساعدة المالية؛ من المهم أن يُدرك كل فرد النعمة التي أنعم الله بها عليه، وكيف يُمكنه تسخيرها في سبيل الخير وخدمة الآخرين.

النقطة الثالثة: الجيل الجديد ومسؤولية جسيمة

يُعدّ التعامل مع الأطفال والشباب من أهم قضايا عصرنا؛ إذا أردنا الحفاظ على تأثيرنا في المجتمع وتعزيزه، فعلينا أن نفهم الجيل الجديد، وتساؤلاته، وآماله، وأفكاره، ومخاوفه، واحتياجاته، وأن نستجيب لها بالشكل الأمثل.

يعيش شباب اليوم في عالم يختلف اختلافًا كبيرًا عن عالم طفولة وشباب الأجيال السابقة. اليوم، تُنقل كميات هائلة من المعلومات في غضون ثوانٍ معدودة، وقد أزالت التكنولوجيا والفضاء الإلكتروني الحدود الجغرافية، وحوّل الذكاء الاصطناعي طريقة تعلّمنا وتواصلنا ووصولنا إلى المعلومات. وبناءً على ذلك، يواجه شباب اليوم تحديات وتساؤلات جديدة لم تواجهها الأجيال السابقة. وفي ظل هذه الظروف، إذا أردنا التواصل الفعال مع الجيل الجديد، فعلينا أن نعرفهم، ونستمع إليهم، ونتفهم مخاوفهم، ونستجيب لهم بطرق جديدة ومناسبة.

وفيما يتعلق بتطور المجتمعات البشرية في الماضي، أرسل الله تعالى أنبياءً مُلِمّين تمامًا بلغة تلك الشعوب وثقافتها وقضاياها، كما يقول:

"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ" (ابراهیم: ۴)

الهدف الأساسي من هذه الآية هو توضيح مبدأ التواصل السليم بين الأنبياء وأقوامهم، لكي يتمكنوا من الاستجابة الصحيحة لاحتياجاتهم. لذلك، ومن أجل إيصال الرسالة الصحيحة، يجب على المرء أن يعرف جمهوره ويفهم لغة التواصل معه. من الواضح أن اللغة ليست مجرد كلمات؛ بل هي أيضًا فهمٌ لشواغل الجمهور واحتياجاته وتساؤلاته، بالإضافة إلى فهم المناخ الفكري والثقافي للجمهور. لذلك، يجب أن نكون قادرين على التواصل باستخدام أدب وأدوات مفهومة ومناسبة للجيل الجديد، مع الحفاظ على التزامنا الكامل بمبادئ الدين وقيمه وأصوله.

لا ينبغي لوم الشباب لمجرد تساؤلاتهم؛ لأن الأسئلة لا تدل بالضرورة على معارضة الدين، بل قد تكون دليلاً على البحث عن الحقيقة ومحاولة فهمها. علينا أن نصغي، ونتحاور بصدق، ونشرح بتأنٍّ؛ والأهم من ذلك كله، أن نبني الثقة فإذا لم نثق بشبابنا، فلن يثقوا بنا، ولن تصل كلماتنا الصادقة إلى قلوبهم. لذا، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على التواصل فحسب، بل يجب أن نفكر في كيفية التواصل بأفضل وأنجع طريقة ممكنة.

النقطة الرابعة: العلم، والتمكين، والإيمان الواعي

نحن نعيش في عصرٍ بات فيه الوصول إلى العلم أسهل بكثير من ذي قبل، حيث يُمكن للهاتف المحمول أن يُوفر كمًّا هائلًا من المعلومات؛ ولكن يجب علينا التمييز بين المعلومات، والعلم، والحكمة. فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة؛ فقد يمتلك المرء الكثير من المعلومات ولكنه يفتقر إلى القدرة على التمييز، أو قد يقرأ كثيرًا ولكنه لا يستطيع التمييز بين الصواب والخطأ. لذا، فإن مهمتنا لا تقتصر على جمع المعلومات فحسب، بل يجب علينا السعي إلى التفكير السليم، والعلم النافع، والقدرة على التمييز، والحكمة.

يحتاج المجتمع اليوم إلى نساء قويات الإيمان، وذوات كفاءة علمية وفكرية عالية؛ فالإيمان يُرشد الإنسان، والعلم يمنحه القدرة. فإذا انفصل الإيمان عن العلم، فقد يجد المرء صعوبة في تحديد الطريق الصحيح؛ وإذا انفصل العلم عن الإيمان والأخلاق، فقد تُوظف قدرات الإنسان في الاتجاه الخاطئ. لذلك، نحن بحاجة إلى "علمٍ مقرونٍ بالإيمان" و"إيمانٍ مقرونٍ بالوعي والثقافة". يحتاج الجيل الجديد إلى مثل هذه النماذج أكثر من أي وقت مضى؛ أناس مؤمنون ومفكرون، علماء، خبراء، ومسؤولون.

النقطة الخامسة: الصبر واليقين؛ ركائز طريق الهداية

هل هذا الطريق سهل دائمًا؟ بالطبع لا؛ فكل من أراد أن يكون له تأثير في أسرته أو مجتمعه أو على مستوى المجتمع ككل، عليه أن يكون مستعدًا لمواجهة الصعوبات والعقبات وسوء الفهم، وأحيانًا القسوة. وهنا تبرز صفتان بالغتا الأهمية وهما الصبر واليقين.

يقول الله تعالى في سورة السجدة عن دور الصبر واليقين في نجاح القادة:  

«وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» (السجدة: ۲۴) 

إن الدعوة، طريق الهداية والخدمة وليست طريقًا للوصول إلى نتائج فورية، بل تتطلب الصبر والتحمل. فمن أراد أن يربي ابنه تربية حسنة أو أن يُسهم في الإصلاح الاجتماعي، لا ينبغي أن يتوقع رؤية النتائج كاملة في وقت قصير، ولا أن ييأس عند أول عقبة. يمنحنا الصبر قوة للمضي قدمًا في الطريق، ويُبقي اليقين على أمل النجاح حيًا. الصبر يُعلّمنا ألا نجعل النتائج الفورية شرطًا للاستمرار في مسيرة التعليم والعمل والخدمة، وألا نفقد الثقة والاطمئنان. ويعني اليقين أيضًا الثقة بأن الله يرى ويدعم جهود الإنسان الصادقة، وأن كل عمل صالح لن يضيع سدىً في نظره.

الخلاصة: من الإيمان إلى الحياة الطيبة

بالعودة إلى الآية الكريمة، نرى أن كل هذه الأمور حلقات في سلسلة مباركة تُعطي الحياة البشرية وهدفًا ومعنى:

• الإيمان هو بداية الطريق، وهو الذي يُنمّي الإنسان من الداخل؛

• الأعمال الصالحة تُظهر دور الإيمان في الحياة؛

• والحياة الطيبة هي ثمرة ونتاج مزیج الإيمان والأعمال الصالحة.

لا تقتصر الحياة الطيبة على الهدوء الفردي فحسب، بل تتجسد في الأسرة في المحبة والسلام، وفي التربية في بناء الجيل القادم، وفي المجتمع في الخدمة والإحسان، وفي التواصل مع الشباب في التفاهم والحوار، وفي مجال المعرفة في الوعي والتمكين، وتستمر بالصبر واليقين.

لذا، من المناسب لكل مؤمن أن يسأل نفسه:

• أنا کمسلم ما مدى نجاحي في أداء الأعمال الصالحة بإيمان وإخلاص؟ 

• ما الأثر الإيجابي الذي أتركه في أسرتي؟

• ما هي التدابير الفعّالة التي اتخذتها لتربية الجيل الجديد؟

• كيف أستخدم العلم والمهارات التي أنعم الله بها عليّ؟

  • وماذا يمكنني أن أقدم للناس والمجتمع من خلال قدراتي؟

قد تختلف إجاباتنا، لكن ثمة أمر واحد لا ينبغي أن يختلف وهو الشعور بالمسؤولية.

لا ينبغي لأحد، وخاصةً أعضاء الجماعة الأعزاء، أن يعتبر نفسه غير فعال أو غير مسؤول؛ لأن عضوية كل فرد تقوم على الرفقة والتعاون وتحمل المسؤولية.

ويتابع الله في الآية 97 من سورة النحل: "وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" أي أن هذه الجهود لن تُنسى عند الله وفي سجل الأعمال. فكل ما يُفعل بوعي وإخلاص وصواب، وله أثر إيجابي على الفرد والأسرة والمجتمع - حتى وإن بدا صغيرًا - فهو عمل قيّم عند الله، ويُعتبر عملًا صالحًا.

وأخيرًا، أسأل الله العلي القدير أن يرزقنا فهمًا دقيقًا، وإيمانًا راسخًا، وإخلاصًا في العمل، وعلماً نافعاً. اللهم ارزقنا جميعًا، وخاصةً أخواتنا ونساءنا العزيزات، القوة والنجاح لنكون مصدرًا للخير والسلام والوعي والأمل في الأسرة والمجتمع.

اللهم! احفظ جيلنا الشاب من شرور المضللين، وعرّف قلوبهم الطاهرة بحقائق تعاليم دين الإسلام المنيرة، واهدهم إلى طريق الخير والنمو والنجاح. واجعل بينهم وبين أسرهم المحبة والوئام والتفاهم والتعاطف.

اللهم ارزقنا التوفيق في استخدام العلم في سبیل الخیر، واستخدام القدرة لخدمة الناس، والإيمان لإصلاح الحياة. أسأل الله العليم الحكيم أن يحفظ بلادنا من المصاعب والمشاكل، وأن يرزق أبناء وطننا الأعزاء الراحة والسلام والطمأنينة.

اللهم علمنا الصبر في الشدائد، والشكر في النعم، والأمانة في المسؤوليات، الجهد في الخدمة؛ وارزقنا حياة طيبة في الدنيا، وأدخلنا في جنات النعيم، وأعلى مراتب الجنة في الآخرة.

آمین یا رب العالمین.