أرضروم الشامخة..

مهد الرجل وُلد العلامة محمد فتح الله كولن عام 1938 في قرية صغيرة في الأناضول، هي قرية "كسوروجك" إحدى قرى قضاء "حسن قلعة" بمحافظة "أرضروم" التي يستمر موسم الشتاء فيها تسعة أشهر في السنة، ولا يتجاوز عدد سكانها (60-70) عائلة جاءوا إليها من قضاء "أخلاط" التاريخية، وهي إحدى بلدان محافظة "تبليس" الواقعة في أحضان الجبال الشماء، التي دخلتها دعوة الإسلام، واستقرت بها أثناء الخلافة العباسية، وامتزجت خلالها روح الإسلام بروح القبائل التركية الموجودة بهذه المنطقة. فتح كولن عينيه على بيت عامر بالعلم والعلماء، فوالده "رامز أفندي" قد ورث العلم والأدب والدين عن جده "شامل أغا" الذي كان مثلا للجد والصلابة في الحق والصبر والذكاء.. وفي هذا البيت الرفيع تربى محمد فتح الله جولان.. ومع اللبن أرضعته والدته "رفيعة هانم" حب القرآن فقد كان يسمعه وهو بين يديها رضيعا حين تدرّس القرآن الكريم لنساء القرية.

في هذا البيت المبارك نشأ "محمد فتح الله كولن" وحفظ القرآن الكريم على يد والدته وهو دون الثامنة من عمره، وكان يختم القرآن كل شهر، حيث كانت أمه (رفيعة هانم) تثبت الحفظ لديه، ومن أهم وسائلها في ذلك أنها حين تقوم الليل توقظ معها ابنها ليؤمها في الصلاة تشجيعا له، وتربية في مدرسة القيام.

بيت شريف.. تربة خصبة.. زرع مستوٍ

ليس بعيدًا أن يكون هذا البيت مزارًا لطلاب العلم، ودارا لضيافة العلماء والمتصوفة المعروفين في تلك الفترة، حيث كان والده "رامز أفندي" يحب العلماء ومجالستهم، وهكذا تعوَّد "محمد فتح الله" مجالسة كبار مدينة "أرضروم".. حتى تلقى العلم على أفاضلهم كالشيخ "محمد لطفي أفندي" الذي أثر فيه إلى الحد الذي جعل "جولان" يقول: "أستطيع أن أقول بأنني مدين للشيخ لطفي بقسم كبير من مشاعري وأحاسيسي وبصيرتي، لما كنت أسمع وأرى منه".

ومن بعده الشيخ "عثمان بكتاش" الذي كان من أبرز الفقهاء في زمنه، حيث درس عليه جولان النحو والبلاغة والفقه والأصول والعقائد والأدب. كما تعلم العربية والفارسية من والده المغرم بالقراءة والاطلاع، ومما يذكره أصدقاء رامز أفندي عنه أنه كان دائما يقرأ القرآن في غدوه ورواحه، ويترنم بآيات ومأثورات من الشعر العربي والفارسي، وأقوال الصحابة والتابعين، دائم الذكر والاستشهاد بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الأمر الذي زرع حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قلب ولده منذ الصغر، لدرجة أنه لا يمكن دراسة شخصية "محمد فتح الله" إلا بعد فهم ما أورثه إياه والده "رامز أفندي" من حب النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام والتعلق بهم.. فهو الرجل الذي يرتجف قلبه ويختلج صدره وتدمع عيناه لمجرد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الأكرمين.

وفي أثناء دراسته تعرف برسائل النور وبحركة طلاب النور، التي أسسها بديع الزمان سعيد النورسي، فاكتملت بذلك شخصيته من مواهب فطرية، ومعالم دراسية، وتربية منهجية، ومنحة إلهية توافقت مع استعداداته وقابلياته التي أودعها الله إياه فانطلق مع طلاب النور عالمًا ومتعلمًا مشرق الروح بعلوم الشريعة، مع إلمامه الموسوعي بالعلوم الوضعية من قراءة لفلسفة العصر كالوضعية والماركسية، والوجودية فقد قرأ "كامو"، و"سارتر"، و"ماركس"، و"شوبنهور" وهو ما كان له الأثر البالغ على فكره وآرائه.

مجمع المواهب يبدأ في أداء دوره

ما إن بلغ "محمد فتح الله كولن" العشرين من عمره، حتى ترك مدينة "أرضروم" الموجودة بأقصى الشرق متوجهًا إلى مدينة "أدرنة" التي تعد باب تركيا المؤدي إلى الغرب، حيث عمل هناك إمامًا في جامع "أوج شرفلي" حيث قضى في هذا الجامع سنتين ونصف السنة في جو من الزهد ورياضة النفس حيث كان يفضل البقاء بالمسجد، وعدم الخروج منه إلا لضرورة، ولم يكن بالمسجد مكان صالح للمبيت فلم يهتم كثيرا بهذا الأمر، وإنما قام بفرش بساط متواضع بإحدى نوافذ المسجد الكبيرة واتخذها خلوة ومسكنًا.

ثم جاء موعد أداء الخدمة العسكرية فأداها في "ماماك" و"إسكندرونة"، ثم عاد إلى "أدرنة" ومنها إلى "كركلار ألي".. وفي عام 1966 ساقه القدر إلى "أزمير".. ومنها انطلق كواعظ متجول فطاف جميع أنحاء غربي الأناضول، بادئًا من مدرسة تحفيظ القرآن الكريم "كستانة بازاري". في عام 1970 بدأت أيام "المخيمات" التي كان يقوم خلالها باستجلاب مجموعات من الشباب الواعد الذي نذر نفسه لخدمة ربه ودينه، حيث يقوم على تربيتهم وتنشئتهم على طاعة الله والعبودية والثقافة الشاملة المتكاملة.. ثم يكلفهم بالانتشار في بقاع الأرض، فيتحركون بدعوة الإسلام، وكأن النفوس تستيقظ من سبات الموت.

ومحمد فتح الله كولن بالإضافة إلى ذلك يكتب الشعر وبطله الأساسي في شعره هو الفارس الذي يرثيه في أشعاره ويذرف عليه الدموع.. ويناجيه بين الجبال والوديان بقلبه المحزون وصدره المهموم وهو يرضخ بالحجارة، ويصطدم بالصخور، لا يثنيه ذلك عن دعوة الحق، وقول الصدق.. يناجيه "كولن" وكأنه يناجي نفسه، وقد حمله جواد الإسلام وانطلق بنور الحقيقة، وتسلح بالشوق لقاء الله وتزود بالعجز والفقر إلى رحمة الله الودود.

أزمير بلد السجن والحرية

في 12 مارس من سنة 1971 اعتقل الشيخ محمد فتح الله كولن بعد الإنذار العسكري الموجه من الحكومة آنذاك، وذلك بتهمة محاولة تغيير الأسس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للنظام، واستغلال الشعور الديني للشعب التركي، وذلك بالقيام بتشكيل جمعية سرية للوصول إلى الحكم، ودام اعتقاله ستة أشهر، انتهت في أثنائها محاكمته، ثم أطلق سراحه، وعاد إلى وظيفته بعد صدور قانون العفو العام، حيث أرسلوه أول الأمر إلى مدينة "أدرميت"، ثم نقل منها إلى "مانيسا" ثم إلى بورنوفا في أزمير حيث بقي هناك في وظيفته هذه إلى شهر أيلول من سنة 1980.

في تلك الفترة كان "محمد فتح الله كولن" يجوب البلاد طولا وعرضًا، يلقي الخطب والمحاضرات ويعقد الملتقيات والندوات التي يقوم فيها بتشريح أفكار العصر الفلسفية والاجتماعية والفكرية المغلوطة، ويطرح البديل الإسلامي الميسور، ويرد على الأسئلة الحائرة التي تجول في أذهان الشباب ولا سيما شباب الجامعات، وأوساط الحرفيين والمثقفين، وهو ما أدى إلى التفاف العديد من أفراد الشعب حوله من جميع الأصناف والمهن، وانتداب أنفسهم لخدمة الفكرة الإسلامية بين يديه وفي ضوء إرشاداته ونصائحه، دون انتظار أي نفع دنيوي أو مادي، وضمن إطار القوانين المرعبة في تركيا بإنشاء المئات من المدارس ذات الأقسام الداخلية، ومدارس تهيئة الطلاب لدخول الجامعات، وتقديم الثقافة والتربية الإسلامية بالمجان التي حُرموا منها في مدارسهم وجامعاتهم.

انطلاقة مدارس النور إلى العالمية

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انطلق طلاب النور ومريدو العلَّامة "فتح الله" في العالم بأسره تقريبًا، خاصة بلدان آسيا الوسطى، طارحين جانبًا تلك المناقشات الفرعية حول دار الإسلام ودار الحرب، وهل الشورى معلمة أم ملزمة، وهل تغيير المنكر في زماننا باليد أم باللسان أم بالقلب؟ وهذه الخلافات التنظيمية التي تظل الجماعات الإسلامية تتهارش وتتناحر حولها.

وانتشر تلاميذه في صمت وعمق، وأصبح هناك جيل يؤدي واجبه الخطير، شعاره الحب والصبر الجميل، وعدته العلم والإخلاص، لا وقت لديهم للخصومة والشحناء، همهم الأول التعاون والتساند والتجرد والثقة، وعدم مقابلة الإساءة بالإساءة، ولكن يعفو ويصفح.. وفي النهاية هو الرابح لجولة الحق مهما اختلت الموازين، وتعكرت الأجواء.

الانفتاح على الآخر.. أفق جديد للدعوة

سرعان ما شملت خدمات مدارس النور الساحات والمجالات المعاصرة، حيث أصدروا عددًا من الصحف والمجلات القوية، إلى جانب محطة للإذاعة ثم عددًا من محطات التليفزيون ودور النشر الحديثة التي أصبحت تنشر الإسلام من جديد بنسائم الحب والفهم والمرونة والحوار.

ومنذ عام 1990 بدأ العلامة "محمد فتح الله كولن" حركته الرائدة في الحوار مع كل الفئات من الأعداء والفرقاء على أساس من التسامح والحب البعيد عن التعصب والتشنج، ووجدت هذه الحركة صداها في تركيا أول الأمر، ثم في العالم أجمع، إلى أن وصلت إلى ذروتها في الاجتماع الذي تم عقده في الفاتيكان بين الشيخ "فتح الله" والبابا إثر دعوة البابا له.. حيث يؤمن جولان إيمانًا وثيقًا بأن العالم قد تحول إلى قرية صغيرة فقيرة إلى العقيدة الصحيحة والهداية الراشدة، ولا بد أن يتقدم أصحاب الدعوات الحقة نحو هذا الدور بالحق قبل أن يملأه غيرهم بالباطل.

ولذا فهو يرى أن واجب الانفتاح على الجميع مهما كانت أفكارهم أو عقائدهم أو مبادئهم.. قد أصبح واجبًا الآن، لا سيما بعد هذا النظام العالمي الجديد الذي وضع المسلمين عنوة في خانة الأعداء الذين يجب محاربتهم. ولقد بدأ "فتح الله" من تركيا، حيث فتح أبواب الحوار والمسامحة على مصاريعها لتفويت أغراض المتآمرين على تمزيق المجتمع التركي بالخلافات العنصرية والقومية والمذهبية والطائفية والفكرية، ثم نشر الدعوة إلى الحوار والتسامح إلى جميع الأماكن التي يمكن الوصول إليها خارج تركيا، ليطرح بذلك دعوة عريضة للإيمان في مواجهة الكفر، والحق في مواجهة الباطل والعلم في مواجهة الجهل والخرافة.. معتمدًا على نور الإيمان وحقائقه في مواجهة السراب الخادع الذي يقود حضارة القوة الغشوم.

الانشغال بالتربية لا يوقف قاطرة الفكر

ولأن الداعية الفريد "محمد فتح الله كولن" يقف على رأس القائمة العلمية اليوم من رجال الفكر والدعوة والحركة والنظام والتنظير؛ لذا فإنك تعجب كيف اتسعت حياته المملوءة بالتربية والتكوين والإعداد لما يمكن أن نسميه بلا مبالغة "جيش النور" أو بما لا يدع له دقيقة من عمره لهذا العطاء الفكري الضخم الذي وضع به المكتبة الإسلامية المعاصرة ككاتب وفنان وشاعر.. ولا يمكن أن يخطر على البال أنه يمكن أن يبدع هذا النتاج الوفير من آلاف الأشرطة والمحاضرات والخطب المسموعة والمرئية، وعشرات الكتب الرصينة المتخصصة العميقة في شتى فنون الفكر والثقافة.

وهو يجري الآن عملية جراحية صعبة بالولايات المتحدة الأمريكية، شفاه الله وعافاه، وحفظه من كيد الشياطين، وثقل الله ميزانه بدعاء المؤمنين الصالحين.. حيث يذكر له التاريخ الدعوي المعاصر أنه الرجل الذي نزل بدعوة النور إلى الشارع التركي المسلم فأيقظه من سبات، وأحياه من موات.. وبه وبتلاميذه أصبحت الدعوة الإسلامية اليوم حقيقة واقعة في ملعب الكرة كما هي في مدرجات الجامعة، وفي صالونات الفنانين والشعراء كما هي في كراسي الأستاذية وقاعات البحث، وتغلغلت في الأسواق ومراكز الشباب مثلما تألقت في أكاديميات العلوم ورسائل الدكتوراه.. وبدلا من أن تنتهج "جيوش النور" منهج التغيير بالسيف والرصاص.. أصبحت تملك التغيير بالمصحف والقلم الرصاص.