لاشك أن للإسلام أصولا ثابتة‌ لا تتغير عبر الزمان أبداً. فالتجدید بمعناه العام لايتناول هذا القسم، إلا في إطار التفسير العصري للنصوص. والذي يهمنا هنا هو الأبعاد المتغيرة للإسلام، التي نحن بصدد الحديث عنها. فبعد أن ظهر الإسلام کحكومة وحضارة وثقافة، فإن معرفة بواعث ضعفها واستنزافها، کانت محل اهتمام المفکرين والمصلحين الإسلاميين. عندما ندقق النظر في التاريخ الإسلامي، فإننا نجد أشخاصاً وحركاتٍ حاولوا أن يکافحوا بواعث الاستنزاف في المجتمع الإسلامي، حتی لا يُصاب المسلمون بالجمود و‌الانحطاط كأتباع سائر الأديان والمذاهب الفكرية. وكانت جهود هؤلاء الأشخاص والحركات مستلهمة من الحديث النبوى الذى يقول: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة‌ سنة من يجدّد لها دينها) (رواه ابوداود 4/178، رقم 4293)

إن المجال الجغرافي و‌‌الفكري لنشاطات هؤلاء المجددين كان واسعاً ومتشعباً. وقد استغرق المجال الجغرافي للتجديد القارةَ الهندية إلی المغرب وشمال افريقيا. ومن الناحية الفكرية فإن بعض المجددين قد حاولوا إزالة الخرافات من العقيدة الإسلامية الصحيحة، بينما اهتمّ بعض آخر بتجديد الأبعاد النفسية للأمة، واعتنی آخرون أيضاً بتجديد الأبعاد العقلية، ومنهم من تطرّق إلی القضية بشمولية أكثر، آخذاً كلَّ جوانب الإصلاح بعین الاعتبار في برنامجه الإصلاحي؛ وفي هذا المجال يعتبر عمربن عبدالعزيز (رح) (101-61ه‍) أول مجدد، حیث استطاع أن يجدد كثيراً من الجوانب المنسية والمعطَّلة‌ للإسلام بما كان له من قوة وحكم. و‌قلّما نجد بعد عمربن عبدالعزيز من یتمتع بالقدرة وفي نفس الوقت له الاهتمام بالتجديد وإحياء الجوانب المعطلة للإسلام، ويمكن أن نستثني "اورنغ زيب" و"السيد احمد بن عرفان الشهيد" في الهند اللذينِ كانت ساحة نشاطاتهما ودائرة تأثيرهما أقل من أن يُذکر. 

ومع أن الإمام الغزالي (505-450 ه) يُعدّ من المجددين الأوائل، إلا أن عمله يقتصر علی الجوانب العرفانية ومع أنه قام في كتابه «إحياء علوم الدين» بتنقية المفاهيم الدينية كالتوحيد والفقه والذكر و. . . .، إلاّ أن رؤيته كانت مترکزة علی التصوف والجوانب الروحية. أما الإمام ابن تيمية (728-661ه‍)‌ فقد كانت دائرة نشاطاته أكثر اتساعا من سابقيه، ولكن معارضة العلماء السطحيين والمتصوفة‌ المترددين علی البلاط وأصحاب القوة الإنتهازيين، لم تترك المجال لانتشار أفكاره آنذاك، وفي عصرنا هذا وإن اكتسبت أفكاره جولة و‌صولة إلا أن الرؤية المتزمتة و‌الفهم الظاهري لكتبه وأفكاره، قد أدخلت الخلل في القراءة العصرية لأفكاره وآرائه. وما قام به سيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وتلامذة مدرستهما كان أوسع وأكثر عصرياً، ولكن الظروف العالمية الخاصة جعلت أفكار هذه المدرسة تنحصر في المستوی الأكاديمي والنظري، ولم تسمح لها أن تری النور في الساحة ما عدا الساحات العملية الضیقة. أما الحرکة الوهابية فقد رکزت في مشروعها التجدیدي علی إزالة الخرافات وتصحیح العقائد وأحدثت یقظة فکریة وإیمانیة ونجحت في إقامة دولة علی أرض الحجاز.

 وظهرت جماعة الإخوان المسلمين لتقدّم قراءة جديدة لمفهوم التجدید، فاختارت رؤية مرِنة سمحة عن القضايا المطروحة للبحث في الماضى وفي عصرنا الراهن علی مستوی العالم الإسلامي والعالم الحديث. فمن هذا المنظور وإن كانت النشاطات التنظيمية تتجه نحو تطبیق الإسلام على المستويين السياسی والإداري، إلا أن اهتمامها بالقضايا الکلیة والعامة أکثر من اهتمامها بالفروع الجزئية و‌المتغيرة، و‌لجماعة الإخوان اهتمام خاص بإعادة بناء هوية الأمة وبلورتها. وعندما كانت نشاطات المفكرين والمجددين في الماضي والحاضر تعاني من التكرار وعرض الأفكار القديمة أحیانا ولم تكن لقضية التجديد لدیها أهمية لائقة، فقد أعطت رؤية ‌الإخوان لهذه القضية أولوية خاصة.

الحل

الاجتهاد

إن آليتنا الأساسية لتحقيق التجديد تتجسَّد في الإجتهاد. والاجتهاد كان ولا يزال يُعتبر طريقة للنظر في النصوص الدينية لفهمها واستنباط أحكام القضايا المستحدثة، علی المستويين النظري والتطبیقي في تاريخ الإسلام، ولكن نظرتنا إلی هذه القضية تختلف عن الماضي من الناحيتين؛ الأولی: لأننا نرسم له ميداناً واسعاً‌ وشاملاً، والثانية: لأننا نطلب من جميع أصحاب الكفاءات العلمية أن يجتهدوا ويعرضوا حلولاً جديدة للمشاكل والقضايا الجديدة.

والاجتهاد له مستويان مختلفان: المستوی النظري والمستوی التطبیقي. والمراد من الإجتهاد النظري هو بذل الجهد لفهم النص وتحديد فحواه في صورة الأمر والنهي وغيرهما. إن هذا النوع من الاجتهاد إنما يتم لاستكشاف المفاهيم الکلية وفتح الطريق أمام التفكير وإعمال النظر كما يتم فيه تحديد حقيقة المفاهيم وانسجامها مع النص وبذلك تتبين الدلالة التفصيلية للنص علی المفاهيم.

ولابد أن ينطبع هذا العمل في إطار آليات الفهم والتفسير، وهذا النوع من الاجتهاد إنما يتم في إطار النص. من جانب آخر، هناك أمور سكت عنها النص، ونستطيع استنباط أحكامها باستخدام آلية الاجتهاد انطلاقا من القواعد العامة ومقاصد الشريعة. والمراد من الاجتهاد التطبیقي هو تنفيذ الأمور والأحکام التي استنبطناها علی المستوی الفهم التجريدي. بعبارة أخری، هذا النوع من الاجتهاد عبارة عن مطابقة الفهم التجريدي والنظري مع العمل والسلوك.

وليس الاجتهاد التطبیقي أقل أهمية من الاجتهاد النظري، لأن المراد من التشريع، هو الجانب العملي، وعندما لا ينتهی الاجتهاد إلی العمل، فلا يتحقق الهدف الأساسي منه. وهذه القضية ترتبط بمدی تحقق مقاصد التشريع الناتجة‌ عن‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ العلاقة الديالكتية بين الحكم التجريدي والواقع.

من جانب آخر، فإن استخدام الاجتهاد في الأمور التي حدد النص حكم الحادثة الخاصة مقارنة بالأمور التي سكت عنها، يعتبر من اللوازم الضرورية لتحقيق الرؤية التجدیدية. ففي عملية التجدید، هناك رؤية خاصة ومختلفة إلی الاجتهاد. ففي هذه الرؤية التي تری كثيراً من فتاوي العلماء والمجتهدين السابقين، تاريخية ومتعلقة بظروف إصدارها، تجد السبيل مفتوحاً أمام الإبداع والتوفيق بين الحياة الحديثة والواقع.

وبما أن الانجازات البشریة في المجالات المختلفة كثيرة ومتنوعة، فإننا نعتقد أن الاحتفاظ بالقديم الأصيل والاستفادة من الجديد المفيد، سيوفر حلولاً ناجعة للإجابة عن المسائل المتنوعة، وأن الاجتهاد الجماعي الذي يأتي عن طريق المجامع الفقهية، سيكون أكثر فاعلیة في عصرنا الراهن.

إن إنشاء المجاميع الدولية، التي يشارک فيها المفكرون والمجتهدون في العالم الإسلامي، مثل"الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين" و"المجمع الدولي للفقه الإسلامي"، يبشر بتطور إيجابي في هذا المجال.