التوتر المزمن والترحیب بالحرب
تشرح هذه المذکرة، مستندةً إلى "اختطاف اللوزة الدماغية"، عن دانيال جولمان كيف تُعطّل التهديدات المستمرة والضغوط الهيكلية الأداء المنطقي لقشرة الفص الجبهي في الدماغ، مُستبدلةً الاستجابات الاندفاعية والغريزية بالتحليل العقلاني. وعلى المستوى الجماعي، يُعاني المجتمع الذي يرزح تحت الضغوط السياسية والاقتصادية لسنوات من "الإرهاق الاجتماعي"، ويلجأ إلى مناهج تبسيطية للمشاكل المعقدة وحلول جذرية (حتى لو كانت مدمرة كالحرب) هربًا من قلقه الدائم. يجادل الكاتب بأنه عندما تبقى السبل المدنية للتغيير مسدودة، فإن العقل الجمعي، وفقًا لفيزيولوجيا البقاء، سيستغل أول وأقرب طريق للهروب من مصدر التوتر، حتى لو كانت العواقب وخيمة.
بقلم: صادق زنغنه
تتناول هذه المذكرة أسباب هذا الموضوع من منظور علم الأعصاب وعلم النفس ولتبسيط موضوع علم الأعصاب، نلجأ إلى دانيال جولمان، الخبير تبسيط العلوم المعقدة وجعلها مفهومة. يُستخدم مصطلح "اختطاف اللوزة الدماغية" لوصف حالة قد يتعرض لها الشخص نتيجة تهديد سلبي أو اضطراب شديد. وهو مصطلح سهل وسريع الاستخدام (وهو في الأصل استعارة تعليمية ولكنه في علم الأعصاب يحمل معنى واقعيًا). وفي الظروف العادية، بعد دخول المعلومات الحسية إلى الدماغ، بالإضافة إلى المعالجة الأولية، فإنها تصل أيضًا إلى القشرة الجبهية الأمامية وهذا المجال مسؤول عن الوظائف التنفيذية مثل اتخاذ القرارات المنطقية، والتحكم في الاندفاع، وحل المشاکل. ولكن عندما يتم تقييم المحفز على أنه تهديد فوري، يتم تنشيط اللوزة الدماغية بسرعة، وهي المسؤولة عن معالجة الأهمية العاطفية للمحفزات والاستجابة للتهديد.
وفي هذه الحالة، ينشط نظام الاستجابة للضغط النفسي في الجسم (بما في ذلك إفراز الأدرينالين والكورتيزول)، مما قد يُضعف مؤقتًا الوظائف التنفيذية لقشرة الفص الجبهي. ونتيجةً لذلك، يميل الشخص إلى رد فعل سريع، دفاعي، أو اندفاعي، بدلًا من التحليل العقلاني والتقييم الدقيق للموقف. وبشكل أدق، يُعدّ مصطلح "اختطاف اللوزة الدماغية" وصفًا مجازيًا لحالةٍ يُقلّل فيها التنشيط الشديد للجهاز العاطفي من التحكم المعرفي ويزيد من احتمالية ردود الفعل الغريزية.
المجتمع تحت الضغط المزمن: نموذج نفسي اجتماعي
يمكننا دراسة هذه الحقيقة العلمية على نطاق أوسع. فعندما يعيش مجتمع ما لفترة طويلة في ظل ظروف الضغط وعدم اليقين والتهديد المُتَوَهَّم، يصبح التوتر المزمن عاملاً بنيوياً. وعلى المستوى الفردي، نعلم أن الضغط المزمن يُضعف القدرات المعرفية؛ إذ تقل المرونة الذهنية، ويقل تقبُّل الغموض، ويصبح تنظيم المشاعر أكثر صعوبة. إذا كان عدد كبير من أفراد المجتمع في مثل هذه الحالة، فقد تظهر أنماط مماثلة على المستوى الجماعي. إحدى النتائج المحتملة هي تبسيط القضايا المعقدة وتُختزل القضايا متعددة المستويات إلى سرديات خطية مُختزلة. وتزداد ثنائية "نحن-هم"، حيث يميل العقل المُرهَق إلى تقسيم العالم إلى فئات واضحة وقابلة للتنبؤ. وفي مثل هذه الظروف، تصبح السرديات القطعية والمطلقة والسلطوية أكثر جاذبية؛ ليس بالضرورة بسبب القبول الواعي، ولكن لأن اليقين يُخفف القلق مؤقتاً. كما تحدث تغييرات على مستوى الهوية الاجتماعية.
تصبح الهويات الجماعية أكثر جمودًا وانغلاقًا، وتبرز حدود الجماعة الداخلية والخارجية بشكل أوضح، ويقل التسامح مع النقد الداخلي، لأن النقد قد يُفسَّر على أنه تقويض للتماسك في حالات التهديد. هذه الاستجابات ليست بالضرورة نتاج قرار واعٍ، بل هي أشبه بنوع من التكيف الجماعي للبقاء، ومحاولة لا شعورية للحفاظ على الاستقرار النفسي في بيئة غير آمنة. وإذا عممنا هذا النموذج على مجتمع يعاني من ضغط مزمن لفترة طويلة (من منظور تحليلي بحت)، فقد نواجه ظواهر مثل تآكل الثقة. تتضاءل الثقة بين الأفراد، وكذلك الثقة في المؤسسات ويصبح الأفراد أكثر استعدادًا لردود فعل عاطفية سريعة نظرًا لتزايد الحساسية للتهديد وتنتشر الشائعات والأخبار المُهدِّدة بسرعة أكبر لأن العقل الجمعي يكون أكثر يقظة للخطر المُحتمل.
وفي مثل هذا السياق، قد تتطور دورات من الغضب الجماعي والإرهاق الاجتماعي: فترات من الانفعالات الحادة، تليها فترات من الإرهاق أو التبلد أو السلبية. وهذا التذبذب بين رد الفعل المفرط والإرهاق قد يكون بحد ذاته جزءًا من آلية تكيفية في ظل ظروف الضغط النفسي المطول. ويمكن للثقافة والتاريخ ورأس المال الاجتماعي وشبكات الدعم ومستوى التعليم في المجتمعات أن تخفف من حدة هذه العمليات أو حتى تعكسها. ولكن من منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن للضغط السياسي المزمن أن يخلق أنماطًا تزداد فيها الحساسية للتهديد، ويقل فيها التسامح مع التعقيد، ويصبح التنظيم العاطفي الجماعي أكثر صعوبة. المجتمعات أشبه بالأجهزة العصبية؛ فإذا ظلت في حالة تأهب لفترة طويلة، فإنها تُصاب بالإرهاق وتزداد انفعالاتها. وسيسلك المجتمع أقصر الطرق للهروب من عبء القلق الهائل، خاصة إذا كان قد جرب سابقًا الوسائل العقلانية والمدنية. يُعد التطور السياسي والاجتماعي لإيران خلال العقد الماضي مثالًا واضحًا، بل ومثيرًا للاهتمام، للدراسة العلمية في هذا الصدد.
لقد احتجّ الناس والطلاب والنخب مرارًا وتكرارًا وحذّروا من قرارات الحكومات، لكنّ جميعهم قوبلوا بالرفض القاطع وبحسب الطبيعة البشرية، عندما تصبح ظروف البقاء صعبة، يميل الناس إلى تجاوز الاحتجاج اللفظي. فالغضب الشعبي رد فعل طبيعي على الظروف التي تهدد حياتهم وبقاءهم. وفي ظل هذه الظروف العصيبة، يُعدّ توقّع الصمت والتعاون من الناس للحفاظ على الوضع الراهن أمرًا غير منطقي. وفي الأساس، تطوّرت فسيولوجيا الإنسان بحيث يلجأ، في المواقف الحرجة، إلى أقرب حلّ للهروب من مصدر التوتر، دون القدرة على تقييم عواقب هذا الحلّ منطقيًا. لذلك، يرى الكاتب أن الترحيب بالحرب ضدّ الدولة وطلب المساعدة منها، على الرغم من كونه أمرًا مؤسفًا ومحزنًا للغاية، يبدو طبيعيًا وفقًا للطبيعة البشرية. لكن السؤال الصعب هو: هل سيعود التوازن إلى مثل هذا المجتمع؟

الآراء