الأمين العام للجماعة یشرح صفات "أولي الألباب" وضرورة العلاقات الإنسانية من منظور القرآن الكريم

في الاجتماع الأخیر للمجلس المركزي للجماعة في طهران، استشهد الأمين العام لجماعة الدعوة والإصلاح بآيات من سورة الرعد، موضحًا صفات "أولي الألباب"، وأکد على الأهمية البالغة للوفاء بالعهد، وتقوى الله، وتوطيد العلاقات الاجتماعية والأسرية في هداية الجيل الحالي.

طهران – موقع إصلاح للمعلومات 

وفيما يلي النص الکامل لکلمة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بيراني، الأمين العام لجماعة الدعوة والإصلاح:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اما بعد:

أستهلّ حديثي مستلهماً من الآيات من 19 إلى 24 من سورة الرعد المباركة؛ وهي آيات تصف خصائص أولي الألباب ، وهي ذات أهمية بالغة للمؤمنين. ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى بعض التفاسير

ومن الجدیر بالاهتمام أنني عندما اطلعت على بعض التفسيرات لفهم هذه الآيات بشكل صحيح، لاحظتُ أن السيد قطب رحمه الله يقول في بداية هذه السورة: أحيانًا أقف أمام آيات القرآن الكريم وقفاً طويلاً، لأني أخشى أن أفسرها وأشرحها بطريقتي البشرية القاصرة فأخلط بينها، وأن أفسرها بتفسير بشري قاصر؛ فانٍ مثلي لا یستطيع التعامل مع الآیات كما ينبغي. ويتابع قائلًا: هذه السورة بكاملها - كسورة الأنعام - من النصوص التي لا أجرؤ على الخوض فيها؛ ولكن ما هو الحل؟ إننا نعيش بين جيل يحتاج إلى تقديم القرآن لهم مع شروحه. وهو يعتقد أن سورة الرعد من عجائب القرآن الكريم.

والآن الآيات المعنية: يقول القرآن الكريم: "أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أولوا الألباب" (الرعد: ۱۹)؛ فمن الواضح أن «الحق» هنا یعني مسألة الوحي والقرآن الكريم وكيفية التعامل معه، وهو ما يفهمه ويؤمن به أولوا الألباب. فمن هم أولوا الألباب أو أصحاب الحكمة، الذين يتمتعون بمكانة صحيحة وتعامل سليم مع الوحي الإلهي، وما هي صفاتهم؟

وفي بیان الصفة الأولى، يقول القرآن الكريم: "الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ" (الرعد: ۲۰) سواء العهدٍ التکویني القديم، و هو عهدٌ أُبرم مع طبيعة الإنسان وفطرته، قائمٌ على القوانين والشريعة الإلهية التي تحكم العالم؛ كما يذكرنا القرآن الكريم بقوله: "أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ" (یس: ۶۰)؛ وهذا العهد هو نفس العهد القديم الذي أُبرم مع طبيعة الإنسان وفطرته ونفسه، وهو أيضاً القانون القديم "خَلَقَ فَهَدَىٰ". وعلى هذا الأساس، هيأ الله تعالی لكل شيء خلقه أسباب الهداية المناسبة له (الجمادات، والنباتات، والحيوانات، والإنس، والجن) والعهد الجدید الذي جاء به أنبياء الله ورسله، وقد تقَبله أتباعهم، وهم ملزمون بالوفاء به؛ كما أمر الله عباده: "وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ" (النحل: ۹۱). 

الصفة الثانية لأولي الألباب: "وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ" (الرعد: ۲۱)؛ ومن الواضح أن بناء العلاقات مع الآخرين من متطلبات الحياة البشرية ومن ضروراتها؛ إذ إنّ التمتع بحياة متوازنة ومنسجمة يتطلب إقامة علاقات متنوعة مع مختلف جوانب الحياة، وأهمها صلة الإنسان بربه، والتي تتجلى في العبادة والطاعة والتقوى والأمانة والاستقامة ثم تعامله مع العائلة والأقارب والأصدقاء، وكذلك  مع المجتمع والمواطنين والبشر، والتي تتجلى في سياق الإحسان وخدمة الآخرين والتعاون في البر والتقوى، و"الأخذ والعطاء"، بل وفي أي شأن أو موضوع أو جماعة أو مجلس يُتوقع فيه الخير والمنفعة. وكما تؤكد هذه الآية، ينبغي أن تكون الصلة والتواصل بغرض أداء الواجب والشعور بالمسؤولية، بدافع تيسير الحياة، وانطلاقًا من خشية الله ويوم القيامة. ويُلاحظ الفرق الدقيق بين الخشیة والخوف في قول الله تعالى: "يَخْشَونَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ"؛ فالخشیة هي خوفٌ مصحوبٌ بإدراك عظمة الله: "يَخْشَونَ رَبَّهُمْ"، أما الخوب فهو مرتبط بمواجهة الأذى والخسارة: "يخافون سوء الحساب".

الصفة الثالثة لأولي الألباب: "والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ" (الرعد: ۲۲)؛ عبارة "صبروا" عامة، وتشمل الصبر في الطاعة والعبادة، والصبر في اجتناب المعاصي، والصبر في المصائب والشدائد والنواقص، والصبر في الحرمان والفشل، والصبر أمام قضاء الله وقدره، وفقدان الأحبة والأقارب، وغير ذلك. ومن الجدير بالذكر أن مئة آية من القرآن الكريم نزلت عن أهمية الصبر وقيمته ومكانته وأجره؛ وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر". وفي هذا السياق، يقول القرآن الکریم أيضًا: "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" (لقمان: ۳۱)؛ ومن المثير للاهتمام أن كلمة "صبار" (أي الصبور جداً) وردت أربع مرات في القرآن الكريم إلى جانب كلمة "الشكور" (أي الشاكر جداً). وكما ذكرنا، فقد نزلت آيات عديدة تحث على الصبر، منها: 
"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ..." (الکهف: ۲۸)؛ 
"وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا" (الإنسان: ۱۲)؛ 
"وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (الأنفال: ۴۶)؛
"إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" (الزمر: ۱۰)؛
إن الصبر الكامل والمثالي، وفقًا لتعاليم الدين الإسلامي، هو الصبر الذي یأتي ليس بدافع القوة أو الضرورة، بل یأتي بصدق وإخلاص، وابتغاء لمرضاة الله، وخاصة مع أفراد الأسرة: الأب والأم والزوج/الزوجة والأبناء، وكذلك الأقارب والأصدقاء والمحتاجين.

وقال: "وأَقَامُوا الصَّلَاةَ": أي يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ على وجهها الصحيح. "وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ": ويُنفِقُونَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ مَادِياً ویقومون بمَسَاعدَةِ الآخرین وأداء الزکاة بطريقة لائقة أحيانًا سرًا لتجنب النفاق، وأحيانًا علنًا لتشجيع الآخرين. إن هذه الآية تقول: "وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ" وكلمة «رَزَقْنَاهُمْ» عامة وشاملة، ولا تقتصر على المال فقط، بل تشمل الثروة والعلم والخبرة والمكانة الاجتماعية والشهرة، وغير ذلك. كاتب عربي يقول: "الْإِنْفَاقُ مِنَ الْمَالِ وَالْعِلْمِ وَالتَّخَصُّصِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتَاجُهُ النَّاسُ بِصُورَتِهِ الْمَشْرُوعَةِ". إن فعل الخيرات، لا سيما - لا سمح الله - بعد الخطأ وارتكاب المعاصي والعصيان والإهمال، له أثر بالغ في إزالة آثار الذنوب والخطایا؛ كما قال الله العليم الحكيم: "إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ" (هود: ۱۱۴)؛ وهنا، ينتقل من الماضي إلى المضارع استنادًا إلى الأسلوب القرآني المعجز، ومنهج تفسيره بغرض التجديد، ووفقًا للموقف، فيقول: "وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ" أي أنهم يردون على الشر بالخير.

وفي سياق هذه الآيات البینات، يُبشّر الله تعالی (جلّ جلاله) المؤمنین ببشارة عظيمة، واعدة، هادفة قائلاً إن عاقبة عملهم هي: "جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» (الرعد: ۲۳ - ۲۴)؛ أي: "تلك الجنان الخالدة التي سيدخلونها، مع آبائهم وأمهاتهم وأزواجهم وأبنائهم، وغيرهم ممن استحقوها، ویدخل عليهم الملائكة من كل باب، ویقولون: سلام عليكم على صبركم، ونعم العاقبة لكم". إن دخول الجنة الأبدية، برفقة أهلكم وأحبابكم، وإن لم تكونوا جميعًا على نفس القدر من التقوى والطاعة، إنما هو شرف لكم ولقاءٌ لأحبابكم.

ومن البديهي أن أعظم وأهم احتفال للمؤمنين يوم القيامة هو الفوز الجنة والنجاة من النار والتمتع بالجنة الأبدية في ذلك الدار الآخرة، لا سيما بصحبة الأحبة والأصدقاء والأقارب. وقال تعالى: "ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" (الجمعة: 4).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.